السيد كمال الحيدري
110
اللباب في تفسير الكتاب
وهذا النوع من المَثَل هو المشهور والمعروف في كلمات المفسّرين ، ونحن نصطلح عليه بالمثال العَرْضى تمييزاً له عن النحو السابق ، الذي نسمّيه بالمثال الطولى . 2 : اشتمال القرآن على المتشابهات ما ينبغي أن يُقال في هذا المجال : إنّ اشتمال النصّ القرآني على المتشابهات إنّما هو من اللوازم التي لا تنفكّ عن وجود التأويل للقرآن ، بمعنى أنّ الله سبحانه لم يجعل الآيات بنحو تنقسم إلى محكمة ومتشابهة بحيث كان بالإمكان التحرّز عن ذلك حتّى يرد إشكال أنّه مخلّ بالغرض الذي جاء من أجله البيان القرآني أعنى الهداية . ولعلّ من أوضح الآيات الدالّة على هذه الحقيقة قوله تعالى : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) ( الرعد : 17 ) . حيث بيّن أنّ حكم المَثَل جارٍ في أفعاله تعالى كما هو جارٍ في أقواله ، ففعله تعالى كقوله الحقّ إنّما قصد منهما الحقّ الذي يحويانه ، ويصاحب كلًّا منهما أمور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربو عليهما ، لكنّها ستزول وتبطل ويبقى الحقّ الذي ينفع الناس ، وإنّما يزول ويزهق بحقّ آخر هو مثْله . وهذا كالآية المتشابهة تتضمّن من المعنى حقّاً مقصوداً ، ويصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنىً آخر باطل غير مقصود ، لكنّه سيزول بحقّ آخر يظهر الحقّ الأوّل على الباطل الذي يعلوه ، ليحقّ الحقّ بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون . ومنشأ ذلك أنّ المعارف الحقّة الإلهيّة كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقييد بكمّية ولا كيفيّة ، ثمّ إنّها كالسيل